سحر دمية رون ليوز

عبد القادر لحميني كنت أدندن، كما هي عادتي، ساعتها، قبل أي انصراف، يلقي بي على وجهي في  شارع أبُّليلو العريض المحاذي لمقر إقامتي، من حي (إيكيس طلاف) الراقي، أو، لربما، كنت على إصغاء بالغ وفي غاية الحماسة، أصغي لشيءٍ يجدف بي للعودة مرة أخرى إلى الخلف، ويبحر بمخيلتي المشوشة، في اتجاه المنارة والشاطئ، على عكس … The post سحر دمية رون ليوز first appeared on الرواية نت - Alriwaya.net.

سحر دمية رون ليوز

عبد القادر لحميني

كنت أدندن، كما هي عادتي، ساعتها، قبل أي انصراف، يلقي بي على وجهي في  شارع أبُّليلو العريض المحاذي لمقر إقامتي، من حي (إيكيس طلاف) الراقي، أو، لربما، كنت على إصغاء بالغ وفي غاية الحماسة، أصغي لشيءٍ يجدف بي للعودة مرة أخرى إلى الخلف، ويبحر بمخيلتي المشوشة، في اتجاه المنارة والشاطئ، على عكس من ذي قبل، حيث كانت الزرقة والسواد، هما، السمة الغالبة، أمام ناظري، لا أذكر لون ولا طبيعة الأفكار التي كنت أترنح عند رغبتها القاسية صعودا ونزولا، أو تلك العاتية التي كانت تحملني طافيا على ظهرها كقشة تبن، لا تملك  من الحول والقوة، ما يجعلها ترسو أو تستقر، أو على الأرجح، كنت في غاية الزهو والفخر أو  معهما بصيص من ذاك الإحساس الرائع، وأنا في كامل وعيي، أضع الدمية  من غير أخذ المسافة الواقية من الحذر، فوق المنصة مع كرسيها المنسوج إلى جوار المرآة، أو العمل البسيط، هذا، الذي قمت به، تمثَّل لي عظيما وفي غاية الأهمية، على ما اعتقد، أو،  أن ما قمت به واجب أكبر، اتجاه دمية مرمية، والذي يجب أن يكون في الغالب من إنسان، مع كل الأحوال والظروف، استجاب لنداءات ضميره المتكررة، الذي ما يزال  وجملة المثبطات والعراقيل حيا ويقظا. لا أدري، من الاحتمالات أيها كان موفقا وعلى صواب، من رجل وبعد نوم طويل، تملؤه رعونة الأحلام  والكوابيس المفزعة، من أنا وإلى أين أسير، انتهى به المطاف إلى محطة معزولة، منفية في البراري، وجها لوجه، يقتسم ضيق الرؤية مع دمية مرمية، في نظر البعض قمامة لا تساوي شيئا،  جثة ولا روح، لا رئتان تتنفس وتجدد من خلالهما الهواء، اللهم ذلك الداكن، القابع في صدرها المنبعج، ولا لسان، ولا يعنيها إن كان، من يسمع لها الأنين أو يشاركها أعقاب البوح على قارعة الاعتراف. ما من استثناء كبير وذو قيمة، من الأصل، أذكره على سبيل الاستئناس، عن تلك الصبيحة، التي ابتدأت باقتفاء أثر دمية،خلسة تركت مكانها شاغرا فوق منصة، أو سهوا سقطت من علٍّ  قريب، يحجب وراءه تفاصيل كثيرة ومرعبة. لا يمكن قراءة الماضي بصحاريه وكثبانه، أو التنبؤ لما قد يؤول إليه المشي السادر في هذه الكثبان، أو كحدث انفلت وتملص، وفجأة اندلق، وأراد أن يجاري ويكون في صف اهتمامات كثيرة مزيفة، اختار البداية، عنوة، وعكس ما تشتهيه الأهواء، الأحد من الأيام و أغسطس، آب، من الشهور، وأن يجتمعا الأحد وأغسطس،آب، على إسفلت بارد، للوقيعة، شيء لا يصدق، حتى الشمس  المغرورة، في سمائها من ذلك اليوم، مع المطر،  كانت في شبه إجازة. وما أقوله كان واقعا لا مراء فيه، يُصدِّق هذا من أراد، ولا فرق عندي إن كان حلما، يُكَذَّب، أو كان واقعا يتَلبَّس أو يتزيا بزي الحلم والكذب، فسقوط دمية وقورة وذات كبرياء، من الأساس، واقتفاء أثرها، وردها بكثير من الزهو والفخر إلى فوق المنصة، واقع لا يساويه إلا الحلم، في حقيقة الأمر، أو حلم لا يساويه إلا الواقع، لي الأمر سيان، لكن الالاالشيء المرادف لهذه المسيرة الغامضة،مسيرة الاقتفاء والأثر، ولم يكن حلما ولا واقعا هي صورتي على المرآة، إذ تلطخت وأصابها ما أصابها، من تشويش وعتمة ظاهرتين للعيان، وأنا أمسح عليها من ضباب الارتباك،بعينين جاحظتين ومتعبتين، ولم تعد ناصحة وشفافة، وتدعو إلى الانبهار كما ألفت ذلك من ذي قبل. انقلبت، ومع شيء من الحيطة، إلى مزيج من الحلم المزيف والواقع المرتاب، لا أدري ارتدادا أم مناكفة أم بهما معا، بعدما كانت لي وجهها متوردا بشوشا وصلعا ناعما وشفتين ممتلئتين، يداعبهما لمعان الحبور المتفائل وخجل الحمرة الباهتة، أضحت صورة قاتمة، من زمن ولى لشخص غريب، قاومت الذكرى يائسا في مثابرة، وبراثين العودة تجرني في عناد إليه، ليس البتة ذلك الشخص المطارِد، بقسماته وألفاظه النابية، الذي أراد اللحاق بي، ولفضل الزمن فصلته عني أعتاب المسافات وأسوار الماضي، مع ما يحمله لي من شبه، بتسريحة شعره الأسود المنساب على كتفيه وقميصه البرتقالي وبنطلونه العريض حذْوَ كعبيه، موضة زمان، ويْكأنه ألبيرو فلانتين تماما، لا ينقصه شيء، بقوامه العريض راسي لا يتزحزح، كما المرساة في العمق شبابا وحيوية جامحة، لا يرغب ولا يشأ أن تنشرح أساريره، على الأقل، لأفهم عن قليل من نواياه، إلا بالقدر اليسير التي تهمس به الريح وتلج مع الممر المعتاد، ثمَّ ببطءٍ، تنفث بعد مكوث طويل، وكأنه جمع  بين الغضب والحزن كليهما، وأودعهما أعلى جبينه المقطب حفاظا منه على صرامة وتوازن ما. ارتبكت في رؤياي، وفي المفترق كنت، وبين من يكون هذا الماضي الذي ينظر إلي مقطبا من المرآة، وقفت، وهل هو ألبيرو فلانتين المزعوم الذي كان؟ ومعه ألفاظه القبيحة وكذا سِبابه الجارح، وما أو الذي؟، يرغبه مني بعد هذه القطيعة وهذه السنوات الطوال..؟ أو ما الحاجة الملحة التي أتت به من حديقة رون ليوز حيث كان منفيا ومشردا وبعثت به ثانية من رماد النسيان؟ مع كل تحفظ، يربأ بي عن كل شبيهة وشنآن وخصام، رددت ذلك إلى الدمية بوقارها وكبريائها وعلو شأنها وحظها العاثر، وأرجأت إليها السبب، ربما كان حريا بي، وهي ملقاة إلى حاشية الممر، أن أدعها حيث كانت، ولا أردها إلى المنصة، لا يهم، تداس أو لا تداس، ذلك شأنها، وأمضي مع حالي كما دأب  الماشين من غير التفات و لا اكتراث. من المخجل حقا، فما اعتقده فراغا دائما، يتمثل في دمية ومرآة على الجانب الأيمن من الجدار، أو تبدى لي، فالأمر خلاف ذلك، فثمة أشباح وفي الغالب تنازعهما المنصة على نحو ما، أو كانت والممر على صلة وثيقة وتوافق دائم، وترجح كفة في مقابل أخرى. من هذا المطب، الذي يشارف على كل نهاية وبعد سحيق، كنت في منزلة تناوئ وتدفع ومخاض عسير، فلا الدمية المرمية بقدْرِها العظيم، تشكر صنيعي، كوني وجدها ملقاة في حاشية الممر وحملتها إلى المنصة، ولا الأشباح تفهم لغتي القويمة من غير حشو ولا لكنة، وتعلم أن ما فعلته كان فقط من أجل الصغيرة ابنتي ليثا. أفكار كثيرة أخذت تغلي وتمور في داخلي، أدناها مع تمام اليقين الذي لا يعتريه شك، لا يمكن الرجوع إلى الوراء قيد أنملة أو  العودة  مرة أخرى كما كنت غافيا في سبات عميق، بعدما رأيت ما رأيت أو تبدى لي ما تبدى، وكأني عن سواد ليل بهيم انسلخت، وبقيت عاريا من غير تلك العتمة التي كانت تؤويني أو أسعد برذاذها من قبل، وأعلاها وهو مجرد سؤال معلق إلى مشجب، لا يجدي نفعا، كما لا أطمح في الإجابة عنه، هل بإمكان دمية وقورة وذات كبرياء أن تتزحزح من مكانها وتعيرني قليلا من الصمت، كذلك المذهل، الذي تعبر به أدغال الكلام وهي حافية القدمين عارية الرأس من غير أن يعترضها سوء أو تشوبها شائبة. في الممر لم يكن من ضجيج كلام ونحوه باديا للعلن، حتى يثير انتباه العابرين في ذلك الصباح، أو يقظ مضاجع من لا يزالوا لم يفارقوا أسرتهم الوثيرة بعد، شأن زوجتي باربارا وابنتي الكبرى كاميلا، واحتراما مني لهؤلاء النيام يَفرض علي العزم أن أترجل عن جادة الصواب، وأستعير الصمت متوددا من الدمية الوقورة وذات الكبرياء، إن رغبت هي في ذلك، حفاظا منها على الهدوء في الممر، فقط كنت وفي اليد محفظة أوراق، وابتسامات شاردة بلهاء تَعبُرني بوَبَرها الواخز،كما الهزيع المتأخر من الليل، أتجرع ريقها لأقطع بها وقامتي مرغما عني صخبَ الذهول الذي اعتراني لحظتها، ولوحة زيتية على القماش يتوزع لونها الغامق عن الأزرق والرمادي تشعل حيزَا لا بأس به بمساحة (50 سم على50) من قلب الجدار الأيسر، أعادل بها الرؤية كلما عاودت إليها الالتفات، أظفر منها بين الفينة والفينة بنظرات مغالية في السخرية، وأعود إلى الثلث المنسي، إلى المكان  حيث تركتني المرآة واهما وواقفا كأبله مجرد من الثياب، اختفي وراء النقع والغبار، لوحة جميلة ومعبرة من توقيع فنان، غير معروف، يدعى (شاوتو باورو) أرادهاـ مع الأسف ـ أن تكون بالصورة، أو بالأحرى بالصدفة، لي أو إجمالا مع الأسف ِلمن هم في مثل وضعي، صورة  ـ رجل يرتمي لينجو من القارب ـ !،في الأمر مخاطرة، بينما بضعة رجال يشاركونه الصباغة الزيتية نفسها، الموزعة على الزرقة والسواد، لهم رأيهم المخالف، للعجب، يتشبثون بالرحلة، أو بالغرق والعاصفة. للغبطة، كنت أتساءل هل أنت يا أبيروفلانتين موجود في القارب وفي البحر، ولماذا بالذات اخترتَ من بين هؤلاء أن تكون الرجل الشجاع، الذي للنجاة، أراد أن يرتمي من القارب المتأرجح بلا خوف ولا تردد، مع الشك الذي ألمَّ بي، لا أعلم من أين غنمتها  باربارا، وتساءلت، بين صويحباتها من التي أهدت إليها  لوحة (شَاوتو باورو)؟ هل كانت على دراية وبينة، وهي تُناولها الهدية، السم مع الدسم، أم تمة ضرب زائف من ضروب المصادفة؟تكتمَّت على بعض الأسرار التي كنت أرى  وبالغة الخطورة، أو لها من الأهمية ما يجعلها أن تكون كذلك، مع ما كنت أبطنه للحظة من غيظ كسيح، مثبط، لا أدري أين يكمن أو يختفي وجه التلاقي، هذا، لأشياء كنت أراها عادية، تصنع على عيني، وتُرتب على نحوٍ ما، مرآة، دمية، لوحة، منصة، وأصبحت تشاكس ولها سلطة، ولا أي الأقنعة التي تناسب أو تلك التي هي على المقاس و يمكنني ارتداؤها وأعبر بها الممر واقفا من غير انحناء وفي اليد محفظة أوراق؟ من جانبٍ، أو بالأحرى من الجانب الأيمن من الجدار كنت مع الدمية وكرسيها فوق المنصة ومع صمتها الأبدي وكيف تعبر به واثقة أدغال الكلام وهي حافية القدمين عارية الرأس من غير أن يعترضها سوء أو تشوبها شائبة، وناصبت في ذلك العداء جهارا على زمرة الأشباه انتصارا للصمت، لما رأيت فيه من رأي سديد وموفق حينها عوضا عن التشدق بالكلام، ومن جهة ثانية أو من الجانب الأيسر من الجدار كانت لوحة القماش تسعُني مع مجالها الضيق، لأظهر فيها وسط البحر الأزرق وبين أمواجه،أصارع من أجل البقاء، مع “الرجل الذي يرتمي لينجو من القارب” بينما رأيت في صَحْبه وهم يبتعدون شيئا فشيئا عن الشاطئ، جماعة من الغرقى،لا محالة والعاصفة، يمكن مع ذلك، إن نجوت من الغرق، أن أشفق لحالهم والمصير المجهول  الذي  يلقونه وهم يجازفون وإلى وِجهتهم الأخيرة.

عبد القادر لحميني – المغرب

الإيميل: lahminiabdelkader@gmail.com

The post سحر دمية رون ليوز first appeared on الرواية نت - Alriwaya.net.