بعد 9 سنوات على بوعزيزي.. كيف استعادت الشرطة التونسية نفوذها من جديد؟

تسعى الشرطة التونسية على مدار الأعوام الأخيرة لترميم نفوذها الأمني والسياسي المفقود في سنوات مابعد ثورة الياسمين، واستعادة هيبتها كجهاز شرطي مثلما كانت خط الدفاع الأول عن السلطة أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن على، عبر الاعتقالات وفض الاحتجاجات بالعنف وقنابل الغاز المسيل للدموع. محاولات الشرطة التونسية لاستعادة بعضاً من هذا النفوذ المفقود خلال المرحلة […]

بعد 9 سنوات على بوعزيزي.. كيف استعادت الشرطة التونسية نفوذها من جديد؟

تسعى الشرطة التونسية على مدار الأعوام الأخيرة لترميم نفوذها الأمني والسياسي المفقود في سنوات مابعد ثورة الياسمين، واستعادة هيبتها كجهاز شرطي مثلما كانت خط الدفاع الأول عن السلطة أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن على، عبر الاعتقالات وفض الاحتجاجات بالعنف وقنابل الغاز المسيل للدموع.

محاولات الشرطة التونسية لاستعادة بعضاً من هذا النفوذ المفقود خلال المرحلة الحالية شملت محطات تسارعت وتيرتها في الشهور الأخيرة كان أبرزها تمرير «قانون الزجر»، الذي يمنح قوات الأمن سلطات واسعة، وصلاحيات يراها البعض مطلقة دون رقيب على ممارساتها، إذ يجعل من رجال الشرطة رقباء على أنفسهم دون تداخل من أي جهة تشريعية أخرى.

يحاول التقرير التالي التعرف على محاولات الشرطة التونسية لاستعادة نفوذها المفقود، وأبرز محطاتها نحو تحقيق هذا المسعى، وماهي الخلفيات التي تحاول من خلالها شرعنة هذا النفوذ التي تحاول اكتسابه.

العصا ترفع من جديد في وجه المتظاهرين

خلال السنوات الأخيرة، بدأ الجهاز الشرطي التونسي سلسلة محاولات لإعادة تمركزه ككيان محصن من المسائلة داخل منظومة الحُكم الجديد، وسط شهادات تتحدث عن تجاوزات بعض أفراده بحق مدنيين في وقائع مختلفة.

آخر هذه الوقائع كانت في جنوب تونس، بعدما فض عناصر الأمن لوقفة احتجاجية على سوء الأحوال الاقتصادية، بمدينة تطاوين جنوب تونس في يونيو (آذار) الماضي، بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع والضرب بالعصي، قبل القبض على العشرات منهم والزج بهم في السجون.

كان التحول الأبرز في مسعى الشرطة التونسية لتحصين نفسها وتوسيع سلطاتها هو  النجاح في مد حالة الطواريء التي تسرى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، والتي هيأت الظروف لممارساتها التي اتهمها البعض بالغير قانونية.

أحد النماذج لهذه الممارسات هي اعتقال مدونين تونسيين في جُنح الليل بتهمة «إحداث الهرج والتشويش»، بتهمة «إحداث الهرج والتشويش»، بسبب مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد السياسات الحكومية في مكافحة الوباء.

الانتقادات للشرطة التونسية تضمنت كذلك استخدام العنف غير المُبرر بحق المحتجين الذي وصل إلى «القتل العمد» في بعض الحالات كان أبرزها واقعة مُشجع نادي الإفريقي التونسي عمر العبيدي، البالغ من العمر 19 عاماً، بحسب شهادات أصدقائه التي كذبتها الرواية الأمنية.

وبدأت الواقعة، بحسب هذه الشهادات، بعد مطاردته من جانب قوات الأمن عقب مبارة كرة قدم بتهمة «إثارة الشغب»، حتى تُوفي غرقاً بعد أن دفعه أفراد الشرطة في أحد الأنهار بالرغم من توسلاته بأنه لا يجيد السباحة.

ويعزز من هذه الشهادات تقرير الطب الشرعي الذي أكد وجود «آثار عنف» على جسد عمر العبيدي، دون أن يُعطي تفاصيل حول مصدرها، بينما انتهت القضية بتوجيه تهم «ضعيفة جداً ولا ترقى لحجم الجرم» لأفراد الشرطة التونسية ممن تم تبرأتهم، بحسب محامي العبيدي. 

وبحسب تقرير بعنوان «عندما يكون الفرار من أعوان الأمن قاتلاً»، أصدرته منظمة العفو الدولية، فقد وثقت بعض من تجاوزات عدد من أفراد الشرطة التي شملت «أعمال القتل عير المشروع والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. كما أكدت على إفلات أفراد الأمن من العقاب عن هذه الانتهاكات.

المظهر الهام لهذا النفوذ الواسع هو توسع أدوار النقابات الأمنية، التي تأسست بعد ثورة الياسمين، بمرسوم حكومي، إبان حكومة الراحل الباجي قايد السبسي، والتي نصت على «حق قوات الأمن الداخلي في ممارسة العمل النقابي، ويمكن لهم تكوين نقابات مهنية مستقلة عن سائر النقابات المهنية واتحاداتها».

ومارست هذه النقابات ضغوطات واسعة على الحكومة ولانتزاع عدد من الصلاحيات  ومزيد من السلطات لصالح رجال الشرطة بطرق ضغط متنوعة، كتفعيل القانون الأساسي الخاص بحقوق الأمنيين وحمايتهم.

كما ضغطت أكبر نقابة لعناصر قوات الأمن التونسية على الحكومة والسلطات القضائية بعدم حضور جلسات محاكمة بعض منهم في انتهاكات حقوقية، وقالت إن المحاكمات «ذات طابع انتقامي». كما أحجمت وزارة الداخلية عن تنفيذ أوامر المحكمة بمثول المشتبه فيهم أمامها في الجلسات.

من جانبه، قال محمد اليوسفي، الباحث الحقوقي، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن هذه الوقائع لا تمنع من الإشارة إلى وجود ارادة سياسية وتشريعية من قبل بعض الفاعلين الحزبيين ونقابات أمنية لاعادة تركيز أسس من شأنها ان تسقط البلاد مجددا في مربع الدولة البوليسية، موضحاً أن هناك تجاوزات من قبل بعض النقابات الأمنية ومنظوريها من الامنيين وهي حقيقة مفزعة خاصة في ظل تفشي مظاهر الافلات من المحاسبة والعقاب.

قانون الزجر.. التشريع الذي يُحصن الشرطة التونسية مدى الحياة

سعي الشرطة التونسية نحو تعزيز موقعها كجهة مؤثرة في منظومة الحكم الجديدة، وكجهاز أمني يستعيد بعضاً من نفوذه وامتيازاته، دفعها لخوض معركة انتزاع حصانة قانونية لأفرادها، وحمايتهم من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة والعنف.

كانت المحطة الأبرز في هذه المعركة تقديم النقابات الأمنية لمشروع قانون للبرلمان، الذي لايزال البرلمان يناقشه، «يحمي أفراد الأمن من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية، ويمنح الحق لهم في المعاقبة بالسجن من ثلاثة اشهر الى ثلاثة أعوام لكل من تعمد المس من كرامة وسمعة قوات الأمن الداخلي والديوانة».

ويتضمن القانون عقوبات مشددة لجرائم بعبارات فضفاضة مثل «المساس بكرامة القوات الحاملة للسلاح»، كما يضع قيوداً على الحق في التظاهر والتجمع السلمي. والقانون الذي تغير اسمه من «قانون الزجر» ليصبح «قانون حماية القوات الأمن الداخلي والديوانة» ويهدف «لحماية أعوان القوات المُسلحة من الاعتداءات التي تهدد سلامتهم»، شمل كُل من الأعوان الحاملين للسلاح، والتابعين للقوات المسلحة العسكرية، وقوات الأمن الداخلي والديوانة”.

وينسحب مشروع القانون على سلك الأمن الوطني، والشرطة الوطنية، وسلك الحرس الوطني، وأعوان أمن رئيس أمن الدولة، واعتبرت منظمة «أنا يقظ» التونسية قانون حماية القوات الأمن الداخلي والديوانة «سابقة خطيرة»، محملة المسؤولية للنواب والأحزاب في صورة المصادقة عليه «لما يمثّله من مساس بالحريّات العامة والخاصة وتقنين للإفلات من العقاب».

ومر مشروع القانون منذ عرضه على البرلمان للمرة الأولى عام 2015 بمحطات تعديل في بعض فصوله، حتى صادقت عليه لجنة التشريع العام في البرلمان، في الرابع والعشرين من شهر يونيو (حزيران) 2020، وينتظر التصديق الأخير في الأيام المُقبلة.

ويُسقط الفصل السابع المسؤولية الجزائية عن الشرطي إذا نتج عن استخدامه للقوة أضرار مادية أو بدنية أو الوفاة، كما يشترط حتمية استخدام «القوة المناسبة» أمام التعرض لـ«وضعية مباغتة بسبب مواجهته لخطر محدق وجسيم ناتج عن اعتداء خاصا أمامه أو على وشك الحصول على الأشخاص والمنشآت الأمنية».

وقوبل القانون بانتقادات واسعة من جانب المنظمات الحقوقية التونسية كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي رأت التصديق النهائي عليه «يؤشر إلى عودة الاستبداد وعقلية الدولة البوليسية وسيفاقم من آفة الإفلات من العقاب التي يعاني منها التونسيون تجاه الممارسات الأمنية الخارجة عن القانون».

وتواجه قوات الأمن والنقابات الممثلة لهم الانتقادات الواسعة لهم للقانون بحملة دفاع مضادة عبر تهيئة الرأي العام بأن تمرير هذا المشروع سينعكس على مستوى أمان المواطن، بما يعود بالنفع والإيجاب عليهم وعلى أمن وسلامة الوطن في ظل «ما يتعرضون إليه من اعتداءات يومية وكذلك من مخاطر بما فيها الأمراض الوبائية التي تجتاح البلاد تستدعي الإسراع في سن قانون يكفل ويضمن الحماية الضرورية لرجال الأمن».

ودعم مسعى الشرطة التونسية تمرير القانون تأييد السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أكد «أن حماية الأمنيين تعد أولوية مطلقة سواء من خلال التشريعات أو من خلال توفير كافة التجهيزات التي تمكنهم من القيام بعملهم في أفضل الظروف معربا عن أمله في تسريع مناقشة مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين».

ما وراء البحث عن الحصانة والنفوذ وكُل شيء

دفع الاستقطاب السياسي والتجاذبات المستمرة بين الجهات الممثلة للسلطة خلال الأعوام الأخيرة جهاز الشرطة التونسية للبحث عن مكتسبات مادية وتشريعية، تتجاوز مهامه المنصوص عليها في الدستور، والتي عززتها استعادة النقابات الأمنية فاعليتها في العمل النقابي والضغط المستمر.

وساهم في تسريع وتيرة هذه المحاولات سلسلة الأحداث التي نفذتها الجماعات المتشددة بعدد من المدن التونسية في الأعوام الاخيرة، التي هيأت الظرف السياسي لضغط شرطة التونسية من أجل نزع مزيد من النفوذ بمسوغ حماية الأمن القومي للبلاد من خطر الإرهاب الذي يُداهم الدولة العربية.

من جانبها، قالت شيراز بن مراد، رئيس تحرير صحيفة الجمهورية التونسية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن الظروف التي ساهمت في عودة الشرطة التونسية لاستخدام أدواتها القديم سببان رئيسيان اولهما بحسبها «الاحداث الارهابية» التي عرفتها البلاد منذ 2012 تقريبا، والتي تواصلت منذ ذلك التاريخ، ومطالبة الامنيين بالحماية وباقرار فصول تضمن حقوقهم وجقوق عائلاتهم من الهجمات وهو حادث مستجد نوعا ما بعد الثورة.

اما العنصر الثاني، بحسب الصحافية التونسية، يتمثل في تواجد نقابات أمنية لها مطلبية بالنسبة للحقوق المادية والمعنوية لمنخرطيها وهي نقابات تم بعثها بعد الثورة وطبعا رفعت من سقف مطالبها عل مر السنين التي مضت.

وتتفق بن مراد مع الرأي القائل بأن الانطباعات والمخاوف من عودة الاستبداد من خلال الجهاز الامني «حقيقية» وليس «مبالغاً» فيها، مبررة ذلك بمشروع القانون «المخيف» بحسبها، الذي يتضمن فصولا مهددة لحرية ابداء الراي والتعبير، ولو انه يتضمن ايضا فصولا تحمي اعوان الامن خلال مباشرتهم لعملهم.

أحد أسباب استعادة الشرطة التونسية أساليبها القديمة لها علاقة بعملية الإصلاح «القصيرة زمنياً» والتي لم تراع كافة الجوانب المطلوبة في مشكل التكوين سواء التشريعي أو التربوي لمعاونين الأمن، بحسب الصحافية التونسية، التي تؤكد أن ستة اشهر فقط للتكوين بالنسبة لأعوان الأمن «غير كافية»، ولاتؤهل لتخريج شرطي يفهم حقوقه وواجباته بشكل جيد.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
هل ما زالت شرطة بن علي تعبث في تونس؟

فيما يُعدد اليوسفي، الباحث المختص بحقوق الإنسان، بعضاً من الخطوات اللازم اتباعها للحيلولة دون تحول الشرطة التونسية لأداة للاستبداد السياسي، ويقول أنه لا يجب أن يكون هناك تواطؤ او صمت سياسي مع التجاوزات التي تحصل في بعض مخافر الشرطة او من قبل بعض الامنيين، ويؤكد أن فرد الأمن له حقوق وعليه واجبات وبالتالي من المهم وضع سياسة واضحة للدولة ضمن معادلة قوامها مفهوم الأمن الجمهوري الذي لا ولاء له إلا للوطن وللدستور والقانون.

ويطالب، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين، مجلس نواب الشعب أن يلعب دوره الرقابي كذلك التفقدية العامة بوزارة الداخلية و إدارة حقوق الإنسان في نفس المؤسسة، مؤكداً على ضرورة العمل على تطوير منظومة تكوين الامنيين لاسيما الشبان بشكل يتماشى والمسار الديمقراطي في تونس ما بعد الثورة.